عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
42
معارج التفكر ودقائق التدبر
دلّ هذا البيان على أنّ الخصام قد اشتدّ بين الرّسل عليهم السّلام وأقوامهم ، إذ ضاقت صدور أقوامهم عن تحمّل متابعة الرّسل عليهم السّلام بوسائل مختلفة ؛ دعوتهم إلى دين اللّه الحقّ ، بين جماهيرهم ، ولو في السّرّ داخل البيوت ، فأنذر الكبراء والقادة في الأقوام الرّسل عليهم السّلام مقسمين بالإخراج طردا من أرضهم ، ومعهم الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم ، إذا لم يعودوا عن دينهم الجديد ، ويدخلوا في ملّة قومهم دخولا جديدا بعد أن خرجوا منها ، وهذا بحسب التّصوّر الظّاهر للأقوام بالنّسبة إلى الرّسل عليهم السّلام ، لكنّ رسل اللّه عليهم السّلام لم يكونوا منذ نشأتهم داخلين في ملل أقوامهم ، أمّا الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم فكانوا داخلين في ملل أقوامهم ، فيقال بشأنهم : « حتّى تعودوا » . ضمّن فعل : « تعودوا » معنى فعل : « تدخلوا » ، فعدّي تعديته بحرف « في » . قول اللّه تعالى مبيّنا ما أوحاه إلى رسله عليهم السّلام بعد التهديد الّذي أنذرهم به أقوامهم : . . . فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) : أي : فأوحى إلى الرّسل عليهم السّلام ربّهم مؤكّدا مقسما : لنهلكنّ الظّالمين الكفرة من أقوامكم ، الّذين أنذروكم بالإخراج والطّرد من أرضهم ، ولنسكننّكم الأرض الّتي أنذروكم بالإخراج منها ، ومعكم الّذين آمنوا بكم واتّبعوكم ، بمعنى : ولنمكّننّكم من أن تسكنوها إذ يكون لكم السّلطان عليها ، بعد إهلاك الظّالمين من قومكم .